المشكلة الأوكرانية (1).. أزمة قانون وليست مؤامرة
لا يمكن طرح المشكلة الأوكرانية وفق تداعياتها السياسية والاقتصادية فقط، والتي لا خلاص من كثرتها على وسائل الإعلام العالمية. وما يقتضى القيام به، هو فهم الأزمة من خلال شروحات القوانين الدولية وتطبيقاتها سياسياً لتوضيح فلسفة السياسات الدولية ومؤثراتها على أدبيات القانون الدولي، بغض النظر عمن هو المنتصر والمهزوم بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
***
في 16 يوليو 1990م، أعلن البرلمان الأوكراني أن أوكرانيا
دولة ذات سيادة. وبعد استفتاء أكثر من 90% من الشعب الأوكراني على تأييدهم
للإستقلال عن الإتحاد السوفييتي، أعلنت أوكرانيا استقلالها رسمياً في 24 اغسطس 1991م
كنظام جمهوري مستقل وذو سيادة مطلقة.
ما هو جدير بالالتفات له أن جمهورية روسيا الاتحادية "الحالية"
تأسست قانونياً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في 26 ديسمبر 1991م، أي أن أوكرانيا
سبقت روسيا في حصولها على الاستقلال والسيادة بأربعة أشهر وفق الأنظمة الدولية
المعمول بها في الوكالات الدولية.
وبذلك يمكن القول أن كلاً من روسيا وأوكرانيا دولتان
جمهوريتان متجاورتان، مستقلتان ذوات سيادة كاملة غير منقوصة. وصفة السيادة في
القوانين الدولية مطلقة تتساوى فيها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بغض
النظر عن إيدولوجية وديموغرافية الدولة ومساحتها الجغرافية.
***
لم يأخذ المجتمع الدولي بعين الاعتبار تحذير خبير القانون
الدولي "يهودا تسفي بلوم"، وهو دبلوماسي إسرائيلي، أن المقعد الدائم للاتحاد
السوفييتي في مجلس الأمن الدولي لا يجوز توريثه لجمهورية روسيا بعد تفكك الاتحاد
السوفييتي وفقدان شخصيته الاعتبارية أمام القانون الدولي.
والسؤال الذي لم يطرحه خبراء القانون الدولي؛ لماذا لم
تتولى أوكرانيا مقعد الاتحاد السوفييتي في مجلس الأمن الدولي، أو أي دولة أخرى من
بين 15 جمهورية حصلت على استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أو لماذا تم
تفضيل روسيا على بقية الجمهوريات السوفييتية.
إن تمرير أعضاء الأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الدولي
خلافة روسيا للمقعد الدائم بحجة عدم اعتراض أعضاء الأمم المتحدة، هو أشبه بـ
"التوريث الدولي" للمنصات القانونية، وهو مخالف لكافة أدبيات القوانين الدولية.
***
إن قبول الولايات المتحدة الأمريكية توريث مقعد الاتحاد
السوفييتي في مجلس الأمن الدولي لروسيا الاتحادية، يرجع لمجموعة من التفاهمات
السياسية بين الأمريكان والروس، تمحورت أو توافقت على أن تكون أوكرانيا هي الدولة
الأضعف بين الجمهوريات السوفييتية.
فأوكرانيا هي العاصمة الاستراتيجية للاتحاد السوفييتي قبل
انهياره، ولم يضطر الروس لجعل موسكو عاصمتهم إلا لقسوة مناخها الجليدي القاهر
للغزاة. موقع أوكرانيا على البحر الأسود ذو المياه الدافئة له دور في نقل الحضارة
المادية من العالم إلى جميع الشعوب السوفييتية.
من أهم التفاهمات الأمريكية مع الروس تخفيض ترسانة الأسلحة
النووية الأوكرانية التي تُقدر بثلث ترسانة الأسلحة النووية السوفييتية؛ لأن
أوكرانيا القوية تقلل من هيبة روسيا أمام الشعوب السوفييتية، كما وتعيق تغلغل الأمريكان
في بقية الجمهوريات السوفييتة.
الباحث الأمريكي "جون ميرشايمر" أستاذ العلوم
السياسية في جامعة شيكاغو، الذي وصف قرار نزع السلاح النووي الأوكراني بـ "الخطأ
الغبي"، كان يدرك حينها أن أوكرانيا وقعت ضحية قبول الروس تفكيك الاتحاد
السوفييتي مقابل أن تورثهم أمريكا المقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي.
***
أوكرانيا هي بقعة جغرافية بين خيارين فقط؛ الأول أن تكون
سيادتها القُطرية خاضعة لروسيا لإعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي، والخيار الثاني التحالف
مع الأمريكان للحفاظ على الأحادية القطبية الأمريكية العالمية. وكلا الخيارين يتعارضان
مع القوانين الدولية التي نصت على حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار دساتيرها
وأنظمة الحكم فيها دون مؤثرات خارجية.
بعيداً عن السجالات السياسية والأهداف الاقتصادية حول المشكلة
الأوكرانية، فإن الأزمة خرجت رحم القانون الدولي الذي اخترقته مجموعة من المجاملات
السياسية بين الأمريكان والروس قبل 30 عاماً.
هذه المجاملات سقطت ولم يعد لها أهمية على الساحة السياسية والاقتصادية، وما يحدث اليوم هو أزمة قانونية أكثر منها سياسية، قسمت العالم إلى فريقين؛ فريق مع قانونية سيادة الدولة المطلقة دون تأثير من دول الجوار الإقليمي، وفريق مع سيادة الأمن القومي الإقليمي من خلال التأثير على دول الجوار الإقليمي.
تعليقات
إرسال تعليق